![]() |
| شرح عبد الكريم الخيضر للحديث السابع النصيحة عماد الدين |
شرح الأربعين النووية عبد الكريم الخيضر الحديث السابع النصيحة عماد الدين
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين: أما بعد.
فيقول النووي - رحمه الله تعالى- في الحديث السابع من الأربعين: "وعن أبي رقية تميم بن أوس الداري- رضي الله عنه - "، الكنية بالبنت سبق الحديث عنها في الدرس الماضي. تميم بن أوس الداري كان نصرانياً فأسلم، وله منقبة لا يشاركه فيها أحد، وهي أن النبي - عليه الصلاة والسلام - روى عنه حديث الجساسة في صحيح مسلم وهذه منقبة.
"أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ((الدين النصيحة))"، الدين أشمل وأعم من الإسلام والإيمان والإحسان، بل هو مجموع ما ذكر، الدين هو الإيمان والإسلام والإحسان مجتمعة، بجميع أبوابه وتفاصليه وتفاريعه؛ لأن جبريل لما سأل النبي - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الذي تقدم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، قال النبي - عليه الصلاة والسلام - في آخر الحديث: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) فدل على أن الألفاظ الثلاثة داخلة في الدين، والأمر كذلك. وفي حديث: ((من يرد الله به خير يفقه في الدين))، فالدين أشمل من الفقه، والدين أشمل من باب أو أبواب من أبواب العلم، فمن يُعنى بالتفسير وما يتعلق بالقرآن لا يستدل عليه بأن الفقه أفضل؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، فهو يتفقه في الدين وإن كان يعاني التفسير، ولا يستدل بحديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، على من يتخصص في العقيدة مثلاً أفضل من غيره؛ لأنه يتفقه في الدين والدين أعم. ولا يورد هذا الاستدلال على من يتخصص في السنة والحديث؛ لأنه يتفقه في الدين، فالدين أعم من أن يكون المراد به الاصطلاح العرفي المقصور على الأحكام العملية، فالمراد بالدين جميع أبوابه الشامل للفقه العملي، والفقه العقدي، الذي يسميه أهل العلم الفقه الأكبر، وما يؤخذ منه من أصول من الكتاب والسنة، وما يعينه على فهم الكتاب والسنة، كل هذا تفقه في الدين.
الدين -بما يشمله مما ذكر- النصيحة، ((الدين النصيحة))، الدين مبتدأ، والنصيحة خبر، والجُزْءَان للجملة من المبتدأ والخبر معرفتان. وإذا كان الأسلوب بتعريف جزأي الجملة فإنه من أساليب الحصر، فكأن الدينَ كلَّه النصيحة، وكأنه قيل: "ما الدين إلا النصيحة"، أو قيل: "إنما الدين النصيحة"، هذا حصر كما في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إنما الأعمال بالنيات)).
وجاء في الحديث: ((الحج عرفة))، هذا أيضاً حصر. لكن إذا تأملنا في الحديثين، فحديث: ((الحج عرفة)) هل معناه أن الحاج يأتي إلى عرفة ويقف فيها ويرجع، فلا ينوي الدخول في النسك وهو ركن، ولا يطوف، ولا يسعى وهما ركنان، ولا يبيت في منى ولا في مزدلفة وهما من الواجبات، ولا يحلق أو يقصر من شعره وهو واجب من الواجبات؟ فإذا قلنا بمقتضى الأسلوب الحصري، قلنا للإنسان أن يأتي إلى عرفة ويرجع؛ لأن الحج عرفة. لكن ليس الأمر كذلك، بل أركان الحج كما هو معروف، نية الدخول في النسك، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، يعني كلها لا بد منها، كلها أركان. إذًا ما فائدة الحصر في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((الدين النصيحة)) أو ((الحج عرفة))؟
هناك حصر حقيقي، وهناك حصر إضافي. الحصر الحقيقي إذا اقتضى مفهومه انتفاء ما عداه، هذا حصر حقيقي، مثل قولنا: "لا إله إلا الله"، يعني: لا معبود بحق إلا الله، هذا حصر حقيقي؛ لأنه لا يوجد غيره من يعبد بحق، لا يوجد سوى الله - جل وعلا -. وأما بالنسبة لـ ((الدين النصيحة))، و((الحج عرفة))، وقولنا: "الشاعر حسان"، و"الكريم حاتم"، وهكذا فهي من الأساليب التي يفهم منها الحصر، لكنه حصر إضافي، وليس بحصر حقيقي، فرق بين الحصر الحقيقي الذي له مفهوم والحصر الإضافي الذي لا مفهوم له.
((الدين النصيحة))، الدين عرفناه أنه بعمومه يشمل جميع أبواب الدين. كله محصور في النصيحة وهي حيازة الحظ للمنصوح له، من قولهم: "نصحت العسل إذا خلصته من الشوائب"، أو "نصحت الثوب إذا خطته"، وكل هذا فيه تسديد للنقص الحاصل، سواء كان في المنصوح، أو في العسل المخلص من الشوائب، أو في الثوب المرفو بالخياطة، هذه حيازة حظ للمنصوح له.
((الدين النصيحة)) قالوا: ولا يوجد كلمة تجمع الخير كله مثل هذه الكلمة، ومثل كلمة: "الفلاح" النصيحة بجميع ما تحمله هذه الكلمة من حيازة للحظ، لمن أسديت له هذه النصيحة.
في بعض الروايات قالها ثلاثاً: ((الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة))، كررها ثلاث مرات لأهميتها. وسكت - عليه الصلاة والسلام -، لكن الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يتركون مثل هذا الأمر المجمل حتى يُبَيَّن وهذا فيما يُحتاج إليه. والله - جل وعلا - يقيَّض من يسأل ويستفصل، أما ما لا يحتاج إليه فقد يستمر فيه الإجمال لعدم الحاجة إليه؛ لأن هناك أمور مجملة في الكتاب والسنة ليس المكلف بحاجة إلى معرفتها، وهناك مبهمات في الكتاب والسنة ما قال الصحابة - رضوان الله عليهم- فيها شيئا. كما في قول الله -تعالى-: {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} [سورة القصص:20] لم يقولوا: "من هو يا رسول الله؟"؛ لأنه لا يترتب على معرفته فائدة للمكلف، ولو ترتب على ذلك فائدة لبينه النبي - عليه الصلاة والسلام - ابتداءً أو لقيَّض الله له من يسأل عنه. ولا أحرص من الصحابة في ذلك، وبعض طلاب العلم اليوم تجده يتمنى أن ينتهي الدرس بسرعة، فتمر أمور مجملة في كلام المعلم فلا يستفصل؛ خشية أن يطول الكلام. هذا موجود، تقول له: "فهمت، يا أخي؟"، يقول لك: "والله ما فهمت"، إذاً لماذا لم تسأل؟ لم يسأل كي ينتهي الدرس، لكن هل هذا يتصور في الصحابة؟ لا يمكن.
"((قلنا: لمن يا رسول الله!))"، النصيحة لمن؟ ما دام الدين النصيحة، من ننصح؟ "((قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)). رواه مسلم".
فهذا يدلنا على أن ما لم يسأل عنه الصحابة لا سيما بعد جمع الطرق للخبر، الذين لم يسألوا عنه نجزم بأننا لسنا بحاجة إلى معرفته، ولو كنا بحاجة إلى معرفته لقيض الله من يسأل عنه كما هنا.
((قلنا: لمن يا رسول الله))؟ النبي - عليه الصلاة والسلام - أخر البيان إلى وقت الحاجة، وأهل العلم يقولون: "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لكنه يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة".
"((قال: لله، ولكتابه، ولرسوله))"، النصيحة لله تكون باعتقاد وحدانيته، وألوهيته، والإيمان بجميع ما جاء في كتابه، وعلى لسان رسوله - عليه الصلاة والسلام - مما يتعلق بالذات الإلهية من أسماء وصفات وأفعال مما صحت به الأخبار، ولا بد من تحقيق ذلك، ولا بد من تخليصه، وتنقيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، وهذا تمام النصيحة لله. اعتقاد ربوبيته، هو اعتقاد بأنه هو الخالق، الرازق، المدبر، المحي، المميت، إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى، وكذلك الصفات العلى التي ثبتت لله - جل وعلا - في كتابه وعلى لسان نبيه، وكذلك ما يتعلق به من أفعال العباد من إفراده بالألوهية فلا يدعى إلا الله ولا يصلى إلا لله، ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا لله - جل وعلا-، فلا يشرك به معه غيره كائناً من كان، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب. ومع الأسف أننا نجد في أوساط المسلمين من يصرف بعض حقوق الرب لبعض المخلوقين، من الأولياء، والصالحين، والأنبياء وغيرهم، ولا شك أن هذا تشريك، بل شرك إذا صرف لمخلوق ما لا يجوز أن يصرف إلا لله - جل وعلا- من حقوقه هذا هو الشرك وهذا غش، وليس بنصح، فالنصيحة على خلاف هذا. لا بد من الإقرار بالربوبية، والألوهية، وما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله - عليه الصلاة والسلام - من أسماء وصفات واعتقاد أنه هو المدبر، وأنه هو الخالق، لا خالق سواه، ولا رب إلا إياه.
ويوجد من يصرف بعض حقوق الله كالدعاء، يدعو المخلوق، ويرجو المخلوق، ويخاف المخلوق، ويذبحُ للمخلوق، ويطوف على قبر المخلوق، كل هذه عبادات لا تجوز إلا لله - جل وعلا. ويلبس الشيطان على هؤلاء الذين يعتقدون في الأنبياء والأولياء والصالحين، وأنه مِن احترامهم، وتعظيمهم، وتقديرهم أن تبنى عليهم المشاهد، والقباب وغيرها، وتعدى الأمر ذلك إلى أن بنيت على الأوهام، ففي كشمير ضريح الشعرة، ضريح من أعظم وأكبر الأضرحة،ما هذه الشعرة؟ قالوا: إنها شعرة من شعر الشيخ عبد القادر الجيلاني، وعليها ضريح كبير. فوصفوا ما وصفوا من أن المياه تجري من تحت هذا الضريح فإذا جرت وخرجت من الطرف الآخر بيعت كما يباع الطيب. هذا غلو، فقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو))، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وبنيت المساجد على القبور، ودفن الأموات في المساجد، وعظموا، وصرف لهم بعض ما يختص بالله - جل وعلا-.
"((ولكتابه))"، الكتاب: هو القرآن المحفوظ بين الدفتين الذي نزل به جبريل من عند الله - جل وعلا - على قلب محمد - عليه الصلاة والسلام-، وتناقلته الأمة جيلاً بعد جيل، ووصل إلينا كما نزل محفوظا، قال الله -تعالى-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر:9]، فهو محفوظ كما أنزل، مصون من الزيادة والنقصان، لا يجوز أن يزاد فيه حرف، ولا يجوز أن ينقص منه حرف، وقد تكفل الله بحفظه، فلم يتطرق إليه التغيير والتبديل، بينما الكتب السابقة استحفظوا عليها، وُكِلَ حِفْظُها إلى البشر، فما حفظوها بل غيروا، وبدلوا، وحرفوا، وزادوا ونقصوا. ولا أدَلّ على ذلك من أنك لا تكاد تجد نسختين من كتاب واحد متطابقتين. وذكر البيهقي في دلائل النبوة أن القاضي يحيى بن أكثم دعا يهودياً إلى الإسلام فما استجاب، ولما كان على رأس السنة، -يعني بعد مضى سنة كاملة- جاء هذا اليهودي ليعلن إسلامه عند يحيى بن أكثم فقال له: "ما الذي منعك من الإسلام لما دعوتك في العام الماضي، وجئت مسلماً في هذا العام؟" قال: "في هذه المدة نسخت نسخاً من التوراة، وزدت فيها ونقصت وقدمت وأخرت فذهبت بها إلى اليهود فاشتروها مني واعتمدوها، وصاروا يقرؤونها ويعملون بها، ثم عمدت إلى نسخ نسختها من الإنجيل وفعلت فيها كما فعلت بالتوراة، ثم ذهبت بها إلى النصارى في سوقهم فاشتروها مني تخطفوها من يدي وقرؤوها وعملوا بها، وقد صنعت فيها ما صنعت، ثم عمدت إلى نسخ من القرآن نسختها وغيرت فيها شيئاً يسيراً، لا يكاد يفطن له، فلما عرضتها على الوراقين من المسلمين كل من رآه رماه في وجهي، وقال هذا محرف، فجزمت بأن هذا الدين هو الحق، وأنه هو المحفوظ وهو الباقي".
يقول يحيى بن أكثم: "لما حججت عرضت القصة على سفيان بن عيينة فقال لي: هذا موجود في القرآن، هذا موجود في القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر:9]". تكفل الله بحفظه، وقال في حق الكتب الأخرى: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ} [سورة المائدة:44]، فلم يحفظوا؛ فالقرآن كلام الله تكلم به - جل وعلا - بصوت وحرف مسموع، سمعه جبريل من الله - جل وعلا -، ونزل به جبريل إلى النبي - عليه الصلاة والسلام -. ومنه - جل وعلا- بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق إلى غير ذلك مما يتعلق بعقيدة سلف هذه الأمة وأئمتها في القرآن. فعلينا أن نعتقد ذلك وهو عين النصيحة لكتاب الله، إضافة إلى العمل به، والائتمار بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، إضافة إلى تلاوته حق تلاوة، على الوجه المأمور به، بالتدبر والترتيل، وتعظيمُه وعدمُ امتهانه. فكل ما فيه تعظيم للقرآن فهو مطلوب وهو من النصيحة لكتاب الله، وكل ما يفهم منه ما يخل بهذا التعظيم فإنه ممنوع، فلا تمد الأرجل إلى القرآن؛ لأنه امتهان، ولا يكتب على ورق فيه قذر، أو شيء من نجاسة، أو ما أشبه ذلك، أو يوضع في مكان متنجس، أو يدخل به في أماكن غير محترمة، كل هذا من امتهان القرآن وعدم النصح له. فاحترامه وتعظيمه، واعتقاد أنه منزل من عند الله - جل وعلا - غير مخلوق، ومنه بدأ ومنه يعود في آخر الزمان، والعمل به بجميع الأوامر فتفعل، وجميع النواهي فتترك على ما سيأتي في حديث: ((إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه))، فكل ذلك من النصح للكتاب.
"((ولرسوله))"، النصيحة للرسول - عليه الصلاة والسلام-، منها كونه يشار إليه بمقتضى الحكمة إذا استشار فهذا ظاهر، وإلا فقد يقول قائل: "كيف يتم النصح لله - جل وعلا-، وكيف يتم النصح لكتابه، وكيف يتم النصح لرسوله - عليه الصلاة والسلام- ونحن إنما نتلقى الهدى الذي منه النصح من الله، وكتابه، ورسوله؟ النصيحة على الوجه الذي ذكر لا إشكال فيه، ليس معنى أن الله - جل وعلا - بحاجة إلى أن ينصح ويوجه كما أن المخلوق بحاجة إلى ذلك، والكتاب الكامل الشامل، الذي من قام يقرؤوه كأنما خاطب الرحمن بالكلم، هذا ليس بحاجة إلى نصح بمعنى تسديد، فهو الكامل الذي لا يحتاج إلى تسديد؛ لأن أصل النصح التخليص من الشوائب، أو إزالة النقائص، كالخرق بالثوب بالخياطة ونحوها، والله - جل وعلا - وكتابه ورسوله ليسوا بحاجة إلى النصيحة بهذا المعنى، وإنما النصيحة لهم بالمعنى الذي تقدم.
النصيحة للرسول - عليه الصلاة والسلام - باعتباره بشرا ينوبه ما ينوب البشر، ويعتريه ما يعتري البشر، النصح ظاهر، يعني: استطب - عليه الصلاة والسلام -، وطب غيره واستشار في الحروب، وأشير إليه، وحينئذ يجب بذل النصيحة، وإذا حرم الغش لآحاد الناس، فَلَأَنْ يحرم بالنسبة له - عليه الصلاة والسلام - من باب أولى. هذا من هذه النواحي وهي أمور يسيرة، لكن هل النبي - عليه الصلاة والسلام - باعتباره مؤيداً بالوحي هو بحاجة إلى نصيحة آحاد الناس، فيما استشار فيه - عليه الصلاة والسلام، لا شك أنه مأمور بالمشورة، وأن المستشار لا بد أن ينصح له من هذه الحيثية.
وما عدا ذلك فالمراد بنصيحته الإيمان به، والاقتداء، والائتساء به، والاعتقاد بأنه معصوم فيما يبلغ به عن الله - جل وعلا -، وأنه أكمل الخلق، وأعظم الخلق، وأكرم الخلق، وأتقاهم، وأخشاهم لله - جل وعلا -، واعتقاد تعظيمه من غير غلو يخرجه من كونه عبداً لله - جل وعلا - رسولاً منه، كما في قول الله -تعالى-: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [سورة الإسراء:1]. لا يجوز أن يصرف له باسم التعظيم شيء من حقوق الرب - جل وعلا -، لا له ولا لغيره، وإنما اعتقاد كماله البشري، لأنه- عليه الصلاة والسلام- قد قال: ((إنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع))، فهو بشر من هذه الحيثية، لكن بالنسبة للبشر هو أكملهم، وهو خيرهم، وهو أفضلهم، وهو سيد ولد آدم، وفضائله وشمائله، ومعجزاته ودلائل نبوته أكثر من أن تحصر.
((ولرسوله)) ويدخل فيه ما يتعلق بسنته، فتعظيم السنة من النصح للرسول - عليه الصلاة والسلام-. وإذا كان النصح للكتاب جاء على سبيل الاستقلال، فالنصح للسنة جاء تبعاً للنصح له -عليه الصلاة والسلام- ومعنى النصح للسنة العناية بها، والاهتمام بشأنها، والعمل بمقتضاها.
((ولأئمة المسلمين وعامتهم)) وهؤلاء بحاجة إلى النصح، بمعناه العرفي.
((ولأئمة المسلمين))، أئمة المسلمين طائفتان من الناس -كما يقرر ذلك أهل العلم-، هم ولاة الأمور، ممن ولاهم الله -جل وعلا- أمور المسلمين، فهؤلاء هم الأئمة، وأئمة المسلمين هم علماؤهم، علماء الأمة المجتهدون، المخلصون الناصحون لله ولرسوله، فكلا الطائفتين داخلتان في أئمة المسلمين.
فكيف ينصح أئمة المسلمين سواء قلنا: هم العلماء، أو الحكام؟
أما الحكام فلا شك أنهم بَشَرٌ، يعتريهم ما يعتري البشر، وقد يزيدون على البشر باعتبار أن الله - جل وعلا - مكنهم من دماء الناس، وأموالهم، وأعراضهم؛ لأن بأيديهم القوة، والسلطة، فهذه الأعمال مظنة لوقوع ما يُمنع شرعاً، فالنصيحة لهم تكون ببيان الحق لهم، وتنبيههم على ما يقعون فيه من مخالفات، ويجب أن يكون هذا بأسلوب يحقق المصلحة ولا يترتب عليه مفسدة؛ لأن المنكر لا يجوز أن يزال بمنكر. وقيل أيضاً: من النصح لولي الأمر جمع الكلمة عليه، وعدم تفريق الناس عنه، ونشر محاسنه لتجتمع عليه الكلمة، والكف عن ذكر مساوئه؛ لئلا تنفر القلوب عنه، مع بيان أن هذا العمل محرم من غير تنصيص على أن يكون من فلان أو علان؛ لأن البيان لا بد منه وقد أخذ العهد والميثاق على أهل العلم أن يبينوا؛ لأنه إذا ارتكب محرمًا ولم يبيَّن فعامة الناس يظنونه مباحًا، ولكن لا يلزم أن يقال: "إن الأمير فلان، أو الوزير فلان، أو فلان أو علان ارتكب كذا، أو فعل كذا"، بل لدينا الأسلوب الشرعي: ((ما بال أقوام يفعلون كذا؟)).
البيان لا بد منه، بما يحقق المصلحة، وولي الأمر ينصح، وكذالك عامة الناس الأصل في النصيحة أن تكون سرًّا؛ لأنها أقرب إلى الإخلاص وأدعى إلى القبول؛ لأن الإنسان إذا نصح علناً ولو كان من آحاد الناس الاحتمال الأقوى أنه يصر ويعاند، ويستكبر، لكن إذا نصح سرا بالأسلوب المناسب فإنه في الغالب يقبل. وولي الأمر من أولى الناس بذلك، لكن لا يعني: أنها تمر الأمور المحرمة وتمشي على عامة الناس من غير بيان لحكمها، يبين أن هذا الأمر محرم، لكن قد يقول قائل: أنه قد لا يمكن البيان في بعض الأمور إلا بمعرفة أصحابها، يعني: بعض الأمور يستقل بها شخص من الناس، يصرح بتصريح أو يأمر بأمر فيه معصية، وتتناقله الوسائل ويعرف الناس كلهم أن هذا صدر من فلان، فإذا بين على المنبر عرف الناس أن المقصود فلان، مثل هذا لا شك أنه يبادر بالنصيحة سراً ليرجع عنه ويبين هو بنفسه للناس، لكن لا يمنع أنه إذا مرت هذه المسألة وجاء لها مناسبة بيَّن حكم الله فيها، لتقوم الحجة على من أراد أن يفعل مثل هذا الفعل، ولعل من فعله أن يرتدع من غير تسمية له، ومن غير إجلاب عليه، وإثارة لعموم الناس.
أما الطائفة الثانية من أئمة المسلمين وهم العلماء، كيف يتم النصح لهم وهم أهل العلم الذين يتوقع منهم ويتوخى منهم النصح لغيرهم؟ لا شك أنهم بشر وظروفهم هي ظروف الناس، وحاجاتهم ومطالبهم هي حاجات الناس، وأُسرهم وما تتطلب هذه الأسر هي ما يتطلبه عامة الناس، لكن يبقى أن أهل العلم باعتبار ما عندهم من علم الأصل فيهم الخير، وإن وقع خلافه فهو قليل نادر مع تأويل لارتكابه، أو مع ضغط عليه رأى أنه لا يستطيع الوقوف أمامهم. هناك بيوت بعض طلاب العلم فيها ما ينكر مثل ما في بيوت الناس، والسبب في ذلك التوسع في المباحات، وفتح الباب لأمور الدنيا لما فتحت على الناس فتح الباب على مصراعيه، فصارت بيوت بعض طلاب العلم مثل بيوت عامة الناس، بل مثل بيوت علية القوم، ويحصل فيها ما يحصل من مخالفات، فهؤلاء بحاجة إلى نصيحة، وهم أولى من غيرهم بالنصيحة. لماذا؟ لأنهم قدوات ويضل بسببهم فئام من الناس، بخلاف عامة المسلمين، إذا ضل هو فقد يقتدي به من يعجب به. لكن عامي لا يقتدون به، بل يقتدون بعالم، فإذا حصل منه مخالفة اقتدى به. وأنا أعرف أسرة كبيرة مكونة من أُسر لا يوجد عندهم خادمات، لما وجدت خادمة في بيت واحد منهم من طلاب العلم، كلهم استقدموا خادمة. لماذا؟ لأنه قدوة بالنسبة لهم، وكلهم يتداولون هذه المقالة: "لو أن الخادمة فيها شيء ما استقدمها فلان"، والاستقدام بغير محرم حرام ولا يجوز أن تستقدم بغير محرم. أما وجود الخادمة في البيوت مع الحاجة إليها، فهذا قيد لأنها أجنبية، وذريعة لأن يوجد شيء من الفساد -وقد وجد-، وأيضاً مع انتفاء الخلوة المحرمة، والاحتشام الكامل، والحيطة، والحذر، كل هذا تبيحه الحاجة مع وجود هذه الاحتياطات مع أن السلامة لا يعدلها شيء. يعني: لو أن إنساناً قال: إن زوجته لا تطيق عمل البيت، فهي إما أن تغسل الثياب، وتنظف البيت، وإما تطبخ الطعام، أو يحضر خادمة لتتولى بعض الأعمال، وقد يقوم مقام الخادمة شراء الطعام جاهزاً فما يصرف للخادمة يدفع فرق لهذا الطعام الجاهز. نقول: هذا حل؛ لأنه كم وقع من المصائب والكوارث في بيوت المسلمين بسبب الخدم والسائقين، ووجد أيضاً أنواع وضروب من السحر، ووجد ظلم في البيوت من قبل أربابها لهؤلاء الخدم والسائقين؛ فالأخطاء مشتركة بين الجهتين. إذا وجدت هذه الأمور في بيت عالم من علماء المسلمين لا شك أن الناس يبادرون بالاقتداء به ويقلدونه فيما يصنع، فإذا وجدت هذه عند العامة فضررها لا شك أنه أخف من أن توجد عند عالم؛ ولذا نُص عليهم على جهة الاستقلال، ((ولأئمة المسلمين)).
من أئمة المسلمين من يقع عنده الخطأ في نفسه، أو فيمن تحت يده فتسدى إليه النصيحة بالرفق واللين من صغير إلى كبير، يستشعر هيبة من أمامه بالأسلوب المناسب، وإذا أفتى بفتوى مخالفة للدليل فينصح وتتخذ الإجراءات المناسبة، ومنها أنه أولاً: ينظر في هذه الفتوى، وموافقتها للدليل أو مخالفتها للدليل؛ لأنه قد يصدر فتوى يستغربها بعض الناس، فإذا تأملت وبحثت وجد أن لها أصلا، وأنها ليست بخطأ، ولو خالف ما عليه غالب الناس. ثانيا: إذا تثبتنا وتأكدنا من أن هذه الفتوى مخالفة لدليل شرعي، أو يترتب عليها إثارة، أو مفسدة نتأكد من صدورها عنه. وما آفة الأخبار إلا رواتها.
فقد يشاع عن فلان أنه أفتى بكذا، ثم إذا ذُهب إليه ونُصح نفى، قال: "لم أقل هذا"، وقد وجد في بعض صفوف طلاب العلم، من يقول الكلام ثم ينفيه، يقول: "ما قلت"، فيزيد الطين بِلة، يزيد المخالفة الشرعية يزيد ويضيف إليها الكذب، - نسأل الله العافية -. هذا حُفظ على بعض من يتصدر الفتوى في وسائل الإعلام، ثم بعد ذلك ينفي، لكن العبرة بأهل العلم الصالحين المصلحين المخلصين، أهل العلم والدين والتقوى والورع والعمل، هؤلاء ليسوا بمعصومين، يصدر منهم الفتوى التي لم يستفرغ وسعه وجهده في دارستها والنظر في عواقبها. إن كانت النصيحة بواسطة من يهابه هذا العالِم لعلمه أو سِنه، أو لطريقته في معالجة الأمور، كان أفضل، وإلا فعلى من سمع أن يذهب إلى هذا العالم، ولا يقول له: "أنت قلت كذا وهو خطأ". لا، يأتي على سبيل الاستفهام، يسأله مسائل، يدخل هذه المسألة من بين هذه المسائل؛ لأن النفس تأنف من المواجهة، النفس البشرية جبلت على هذا، وهو موجود وملاحظ في عصرنا، النصيحة ثقيلة حتى عند طلاب العلم. لو أنك أتيت إلى إمام مسجد وقلت له: "حصل منك كذا"، لا يطيق مثل هذا الكلام، وهو في الأصل طالب علم حافظ القرآن؛ لأن النفوس والنيات مدخولة، ليست صافية وإلا فالمفترض أن يفرح بمن أهدى إليه هذه النصيحة، إذا جاء إلى العالم يقول له: "ما رأيك في كذا؟ وما قولك في كذا؟" وينبسط معه في الكلام حتى ينشرح له صدره، ويسأله عن مسائل يجيدها هذا العالم ويميل إليها، ويرتاح إليها، حتى يجد الطريق والمسلك إلى قلبه، ثم يقول: "ما رأيك في كذا؟". فمعالجة الأمور لا بد فيها من الحكمة؛ لأن الهدف الإصلاح، فليس الهدف أن يقول: "والله فلان ذهب إلى الشيخ الفلاني الكبير وغير رأيه"، هل هذا هو القصد والغاية ؟ أبداً، الغاية أن المنكَر يزول. فعلينا أن نستعمل الوسائل المناسبة، والناس يتفاوتون في قدراتهم، وإدراكهم، فبعض الناس من أول وهلة تستطيع أن تدلي بما تقول من أول كلمة، والأمر عنده سهل ولا ينتبه لما تصبو إليه وتريد، وبعضهم لا، لا بد أن تأتي بمقدمات وتشرق وتغرب ثم في النهاية تعطيه ما عندك. كل هذا من أجل أن ينفتح الصدر، ويستعد لقبول ما يلقى إليه، فتقول له: "ما رأيك في كذا وقد قيل به في هذا الوقت، وقال به فلان من المتقدمين؟" وذلك بطريقة لا يشعر أنه هو المقصود مباشرة، لكن عامة أهل العلم على خلافه والدليل الفلاني يقتضي رده وهكذا.. المقصود أنه يأتي بأسلوب مناسب ليدخل إلى قلب هذا الشيخ، لا سيما إذا كان كبيراً في السن، كبيراً في العلم، وكل وإنسان يعامل بما يليق به.
أما العامة فنصيحتهم ظاهرة بدلالتهم على الخير، وكفهم على الشر باللين، والحكمة، والرفق، فيدلون على ما يصلح شأن دينهم ودنياهم، حتى لو وجدت إنساناً دخل في مشروع يغلب على ظنك أنه يُخفِق فيه تنصحه، فتقول: "هذا المشروع الذي يظهر -والله أعلم- قد جُرب، وأنه لا جدوى من ورائه" وهذه نصيحة، وإذا كان ينشغل بأمور مفضولة ويترك أمور فاضلة تُسدى له النصيحة، بأن يهتم بالأهم فالأهم.
وجدت على هذا الشخص ملاحظة، أو نقل من قبل أهلك ملاحظة على أهله إن كان أهلك ممن يستطيع التغيير والنصح يقدم النصيحة للأهل مباشرة، وإذا كانوا لا يستطيعون ونقلوا لك فعليك أن تسدي النصيحة لقيِّم هذه المرأة، وولي أمرها؛ فيحصل الخير لا سيما مع الرفق واللين. ولا مانع من أن تبدى بعض المحاسن، فيقال: "والله يا فلان أنت يلاحظ عليك ما شاء الله المبادرة إلى المسجد، والمحافظة على الصلوات، والإكثار من قراءة القرآن، وما شاء الله كل يدعو لك ويثني عليك، لكن يلاحظ أن ثوبك نازل قليلاً عن الكعب، ولا يخفى عليك ما جاء من قوله - عليه الصلاة والسلام-: ((ما أسفل من الكعبين فهو في النار))، ولا يظن بك أنك تجر ثوبك خيلاء، لكن هذا النص". وعليك أن تمتثل بالأسلوب الذي يحقق المصلحة، بمثل هذه الطريقة يقبل الحق، لكن لو قلت له مباشرة: "هل تعلم أن جُزأك الأسفل في النار، وأبو طالب عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه. ماذا يرد؟ هذا في الغالب لن يقبل، لكن بالأسلوب المناسب يبين له ما عنده من محاسن لكي تستطيع أن تلج إلى قلبه.
وبعض الشباب يكون عندهم حماس، يرون بعض المنكرات فيأتون إلى العالم أو طالب العلم مندفعين؛ لأن بعضهم يرى أن هذا منكر، وهو في الحقيقة ليس بمنكر أو مما اختلف فيه، أو الأثر المترتب عليه ما يستحق كل هذه الحماسة. وبعض المشايخ لا يوفق لمعالجة أوضاعهم فيزيد الطين بلة، يعني: بدلاً من أن يكون متحمسًا على مسألة يتحمس على مسائل ثم على هذا العالم، ويجر إليه بقية العلماء، يقول بقية العلماء بهذه الطريقة، ثم ينقم على المجتمع كله، لكن ماذا لو إذا جاء هذا الشاب المتحمس وقد رأى منكراً، ولا يظن به أنه جاء إلا لتغيير هذا المنكر، والنبي - عليه الصلاة والسلام - يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه)). هذا العالم أو طالب العلم الذي أتى إليه هذا الشاب أو هؤلاء الشباب لا بد أن يتعامل معهم بأسلوب يمتص هذا الحماس منهم، لا يقال إن الغيرة تزال من قلوبهم، لا، الغيرة لا بد منها، لكن بإزاء هذا المنكر يدعى لهم ويقول: "أنتم ما جئتم إلا غيرة لله، وعلى محارم الله، وعلى أعراض المسلمين، وعلى كذا وجزاكم الله خيرًا، لكن تعلمون أن كذا وكذا"، يعني: يقدم بمقدمة ثم يلج إلى قلوبهم، ويملي عليهم ما شاء، وهو بدوره بلغته هذه الرسالة منهم، وعليه أن يوصلها إلى من فوقها" وتنحل الأمور والإشكالات بهذه الطريقة. أما أن توصد الأبواب في وجوه الشباب هذه آثارها ليست بجيدة. ينقمون على هذا العالم، ويطردون يقولون كل العلماء بهذا الطريقة ما وجدنا من يستقبلنا، ثم بعد ذلك ينقمون على المجتمع ويحصل منهم ما يحصل. وليس هذا بمبرر لمن يحصل منه ما يحصل، أنه استعمل معه هذا الأسلوب وأن يكون مبررًا له، لا، أبداً. فهو المسئول الأول عن عمله، ويسأل عن عمله أيضاً المتسبب، لكن لا يعفيه أنه سلك معه هذا المسلك أن يخرج بأعمال تخريبية، أو ما أشبه ذلك، أبداً، هذا لا يعفيه من المسئولية، هو المسئول الأول عن عمله لكن أيضاً المتسبب له دور في مثل هذا، فعلينا أن نعالج الأمور كلها بالحكمة. فمثل هذا الشاب المتحمس الغيور، الذي رأى رجلاً مثلاً يخاطب امرأة، أو رأى امرأة كاشفة متبرجة، وأراد أن يحد من هذه المظاهر السيئة، وهو لا يستطيع أن يصل إلى المسئولين فيأتي إلى من فوقه من طلاب العلم أو من العلماء، فعليهم أن يبادلونه نفس الشعور، ويمتصوا ما عنده من حماس ويعدوه خيراً وبذلك تنتهي الأمور. ثم من بلغه مثل هذا الأمر ممن يصل إلى صاحب القرار أن يبلغه، وبهذه الطريقة تزول المنكرات، وهذا من النصح لعامة المسلمين.
وطلاب العلم في أوائل الطلب هم محسوبون على العامة، يعني: ليسوا من أهل العلم، هم محسوبون من العامة والنصح معهم يكون بهذه الطريقة.
والعالم عليه أن ينصح ولي الأمر، ويحرم عليه أن يغش، وكل من ولاه الله شيئاً يجب عليه أن ينصح، ولا يجوز أن يغش من ولاه ومن استرعاه الله عليهم، فالوالد عليه أن ينصح الأولاد، والأم عليها أن تنصح الأولاد، والمعلم عليه أن ينصح الطلاب، وولي الأمر عليه أن ينصح للرعية وهكذا، فالنصح عام لكل أحد. ولذا جاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي في البيعة: ((والنصح لكل مسلم))، حتى أن جريراً من باب النصح اشترى فرساً بثلاثمائة، ثم لما تم العقد قال لصاحبه: فرسك يستحق أكثر من ثلاثمائة، أتبيعه بأربعمائة؟ قال: نعم، فلما قال: نعم، قال: فرسك يستحق أكثر من ذلك، فما زال به إلى أن صارت القيمة ثلاثة أضعاف، كل هذا من النصح. والباعة -لا أقول كلهم بل غالبهم-، مسالكهم تختلف عن هذا كثيراً، تجد الشخص يجد سلعة عند شخص ارتفعت قيمتها، لكن صاحب هذا المحل لم يعرف، وهي موجودة عنده من قديم، فإذا قال له: هذه السلعة بخمسمائة ويعرف المشتري أنها وصلت إلى ألف، قال: "لا يا أخي خمسمائة كثير، خلها أن تكون بثلاثمائة"، ما يقول سلعتك تستحق أكثر مثلما قال جرير، لا. لعلها تكون بثلاثمائة وهو موافق على أن يشتريها بخمسمائة، لكن لو قال اشتريت مباشرة أعاد النظر، قال: "ما جزم وشرى بهذه السرعة إلا أن فيها غبن ونزول"، فتجد المشتري يماكس وإن كانت القيمة نازلة؛ بل بعضهم قد يدلس، ويقول إنه رآها تباع بكذا، وقد رآها قبل عشر سنوات مثلاً، فيقول: "أنا والله حضرتها بيعت بثلاثمائة"، هذا يمكن قبل عشر سنوات. هو ما كذب قد رآها، لكن متى؟ فيختلف، والأقيام تختلف من وقت إلى آخر. فعلى الإنسان أن ينصح لكل مسلم، وثق ثقة تامة أن النصيحة لن تخسِّرك في دنياك أبداً، بل الربح هو الظاهر، رأينا من أرباب التجارات من ينصح المشتري، يقول: "أنا -والله- السلعة عندي هذه اشتريتها بسعر مرتفع ولا أبيعها بخسارة، لكن هي عند فلان يبيعها بأقل؛ لأنه تيسر له أن يشتريها بأقل"، هذا نصح للمشتري، فكما يحصل النصح للبائع يحصل النصح للمشتري، وهكذا. فالنصح لعامة المسلمين مطلوب كالنصح لخاصتهم.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
