أخر الاخبار

شرح الأربعين النووية عبد الكريم الخيضر الحديث الثامن حرمة دم المسلم و ماله

 

شرح الأربعين النووية عبد الكريم الخيضر الحديث الثامن حرمة دم المسلم و ماله
شرح عبد الكريم الخيضر للحديث الثامن حرمة دم المسلم و ماله 

شرح الأربعين النووية عبد الكريم الخيضر الحديث الثامن حرمة دم المسلم و ماله 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد:

فيقول المؤلف - رحمه الله تعالى- في الحديث الثامن من الأربعين: "عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-" كنيته أبو عبد الرحمن وقد سبقت في حديث: ((بُني الإسلام على خمس)), قال هناك: "عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -" فهو في أول موطن يذكر الاسم كاملاً ويذكر الكنية، ولذا جرده من الكنية هنا، وقد يأتي في موضع آخر يقول: عن ابن عمر مكتفياً بذلك عن ذكر اسمه؛ لأن هذه عادة جرى عليها أهل العلم يذكرون الاسم كاملاً في الموضع الأول, وبعد ذلك يحيلون على الموضع الأول فيقتصرون في المواضع اللاحقة على ما يحدد العَلَم المراد.

"عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -" بتثنية الضمير؛ لأن الراوي ووالده كلاهما من المسلمين، لكن تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه- ما قيل: "رضي الله عنهما"؛ لأن والده غير مسلم, لو كان مسلماً لقال: "رضي الله عنهما".

"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أمرت أن أقاتل الناس))"، "أمرت": الآمر للنبي - عليه الصلاة والسلام - هو الرب - جل وعلا-، لا آمر فوقه - عليه الصلاة والسلام - إلا الله - جل وعلا-، بينما لو قال غير الرسول - عليه الصلاة والسلام -: "أمرت", أو "أمرنا", مثلما لو قال الصحابي: "أمرنا أن نفعل كذا, ونهينا عن كذا", فإذا قال الصحابي ذلك فالغالب على الظن أن الآمر والناهي هو الرسول - عليه الصلاة و السلام-؛ لأنه هو الذي له الأمر والنهي لا سيما في المسائل الشرعية، والمقرر عند جمهور أهل العلم أنه مرفوعٌ حكماً.

قول الصـحابي من السنة أو

بعد النبي قالـه بأعصر

نحو أمرنا حكــمه الــــرفع ولـــو

على الصحيح وهو قول الأكثر

يعني: ولو قاله بعد عصر النبي - عليه الصلاة والسلام -. إذا قال الصحابي في عصر النبي - عليه الصلاة والسلام-: "من السنة" أو "أمرنا" فلا يريد بذلك إلا سنة النبي - عليه الصلاة والسلام-، ولا يريد بذلك إلا الأمر النبوي، هذا في عصره -عليه الصلاة والسلام-. ومنهم من يخالف إذا كان قول الصحابي: "أمرنا"، أو "من السنة" بعد وفاته - عليه الصلاة والسلام-، لاحتمال أن يكون الآمر الخليفة، فله أمر على الرعية ولا مانع أن يقول: "أمرنا بكذا"، والآمر له الوالي، والسلطان، والولاة لهم أوامر، لكن الأوامر الشرعية إنما تتلقى عن الله, وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام-. فلوجود هذا الاحتمال، قال بعضهم: "إن الصحابي إذا قال: "أمرنا", أو قال: "من السنة" بعد وفاة النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه لا يأخذ حكم الرفع؛ لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير الرسول - عليه الصلاة والسلام -", لكن الجمهور يقولون: "له حكم الرفع؛ لأنه لا يتصور أن يأمر أحد بمسألة شرعية, وللرسول -عليه الصلاة والسلام- فيها قول". فالأمر والنهي إليه -عليه الصلاة والسلام- في حياته في مسائل الشرع وبعد مماته، لكن إذا قال الصحابي: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-"، هنا معلوم.

في بعض الأحاديث: ((أمرني ربي)), و((ونهاني ربي، عن قتل المصلين)) هذا ليس فيه إشكال أن الآمر والناهي سواء كان مبرزاً ظاهراً مبنياً للمعلوم, أو مستتراً, والفعل مبنى للمجهول لا يختلف الحال, فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لا يمكن أن يؤمر من قِبل أحد إلا من الله - جل وعلا-، سواء قال: ((أمرني ربي)) أو قال – عليه الصلاة والسلام-: ((أُمرت)), فهذا مفروغ منه, ولا إشكال فيه. لكن قول الصحابي: "أمرني -صلى الله عليه وسلم-"، أو "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-", أو "أمرنا" بالتصريح بالآمر والناهي، هذا لا يختلف في كونه من قبيل المرفوع، لكن الاختلاف من بعض المتكلمين, وداود الظاهري يقولون: "لا يحمل على حقيقة الأمر المقتضية للوجوب حتى يصرح الصحابي باللفظ النبوي"، يعني: لو قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-", أو "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن كذا" فهذا لا يحمل على الأمر, ولا على النهي المقتضي للوجوب والتحريم حتى ينقل لنا اللفظ النبوي. لماذا؟ قالوا: "لأن الصحابي قد يسمع لفظاً يظنه أمراً فيعبر عنه بالأمر، أو يظنه نهياً فيعبر عنه بالنهي، والحقيقة ليست كذلك".

هذا على حسب دعوى ما نسب إلى داود الظاهري, وبعض المتكلمين، لكن هذا القول له وجه أو لا وجه له؟ ليس له حظ من النظر؛ لأنه إذا جاء اللفظ الذي فهم من الصحابي أنه أمر أو نهي، واستغلق ذلك على الصحابي فمن يفهمه بعد الصحابي؟ الصحابي عاصر النبي - عليه الصلاة والسلام - وعرف أحواله, وسيرته, ومنهجه, وعرف مدخله ومخرجه، وأهدافه ومقاصده فإذا لم يكن الصحابي أعرف من غيره في هذه الأمور في المصطلحات الشرعية, من يعرفها؟ وهم عرب أقحاح يفهمون الكلام، يعني يترك الفهم لمن جاء بعدهم بعد الاختلاط بالأعاجم؟! لا، ومثل هذا الخلاف لا ينبغي أن يعد خلافاً.

"قال - عليه الصلاة والسلام-: ((أمرت أن أقاتل الناس))".

أولاً: "أقاتل الناس" المراد بهم الكفار، أو من ارتكب ما يستدعي المقاتلة من المسلمين؛ لأنه ثبت في الصحيح: ((أن النبي - عليه الصلاة والسلام- إذا غار على قوم، انتطر حتى يأتي وقت الصبح، فإن سمع الأذان كف، وإن لم يسمع الأذان قاتل)). فالشعائر الظاهرة إذا اتفق على تركها فئام أو جماعة من المسلمين فإنهم يقاتلون, حتى يذعنوا. مثاله ما لو اتفق قوم على ترك صلاة العيد, يقاتلون سواء كان على القول بأنها سنة, أم فرض كفاية؛ لأنها شعيرة ظاهرة من شعائر الدين لا يجوز تعطيلها، مثل الأذان على الخلاف بين أهل العلم في وجوبه, وسنيته, نظريه سواء بسواء، وهكذا الشعائر الظاهرة.

"((أن أقاتل الناس))"، (أل) هذه جنسية يعني جميع الناس. "((حتى يشهدوا))"، (حتى) هذه الغاية معناه حتى توجد هذه الغاية والقتال هنا قتال طلب أو قتال دفع؟

قتال طلب, بلا شك وما الذي أخرج الصحابة من المدينة إلى الآفاق إلا قتال الطلب, وهل قتال الطلب للتشفي والانتقام من الأعداء أو رحمة للعالمين؟ من أجل جرهم إلى الجنة بالسلاسل وإبعادهم عن النار، وزحزحتهم عن النار, ليفوزوا في الدنيا والآخرة. وهناك فرق بين قتال المسلمين لغيرهم لإدخالهم في الإسلام، وبين قتال غيرهم من الكفار للتغلب عليهم, والتسلط عليهم، والتحكم في أموالهم, ودمائهم, وأعراضهم، فرق بين هذا وهذا. فحينما تُشن الحرب على الجهاد, لا سيما جهاد الطلب لأنه إرهاب مثلاً, هل هذا الكلام صحيح؟ هل القتل والتسلط على الآخرين، هل هو هدف من أهداف الجهاد؟ أبداً، كلا والله، وإنما الهدف منه رحمة العالمين, وقال الله -تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء:107]. هل يرحم من يُقاتَل ويُقتل؟ يرحم، نعم حتى يشهد أن لا إله إلا الله.

"((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله))"، هناك خيارات إما لعموم الناس -على قول-، أو فئات من الناس, كأهل الكتاب ومن يلحق بهم كالمجوس، فيكون البدل على المقاتلة الجزية؛ لقول الله -تعالى-: {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة:29] فهذا بدل إما لليهود والنصارى والمجوس على قول، أو للعموم لعموم الكفار تأخذ منهم الجزية, على خلاف بين أهل العلم. على كل حال هناك بدل للغاية التي هي الشهادة والدخول في الإسلام.

"((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله))", هل نقول: إن الشهادة لا بد من مطابقتها للواقع؟ أو نقول: تُفسر الشهادة بالرواية الأخرى: ((حتى يقولوا لا إله إلا الله)) فإذا نطقوا بها كفى؟ حتى ينقطوا بالشهادتين، وأما ما في القلوب فلا يمكن الاطلاع عليه إلا من قبل علام الغيوب؛ ولذلك قال في آخر الحديث: ((وحسابهم على الله تعالى)).

نحن نقبل الظاهر إذا قال الواحد منهم: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، وأقام الصلاة, وآتى الزكاة، يجب الكف عنه، مهما كان الدافع له. وحديث أسامة لما قتل الذي قال: "أشهد أن لا إله إلا الله" معروف، قال أسامة: "إنه قالها اتقاءً للسيف"، وشدد النبي - عليه الصلاة والسلام - في أمره، حتى تمنى أنه لم يُسلم قبل اليوم.

فإراقة الدم شأنها عظيم عند الله - جل وعلا-, وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((ولا يزال المسلم في فسحة من دينه وأمره حتى يصيب دماً حراماً)). فإذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله", ثم جاء وقت الصلاة فصلى مع المسلمين, وأدى الزكاة فإنه يجب الكف عنه، ولا يقال: "هذا شهد حقناً لدمه", نعم الشهادة وما أضيف إليها تحقن الدم، ولا يقال أيضاً: "يصلي, أو يزكي تقية, أو مراءً, أو ما أشبه ذلك", هذا ليس إلينا إنما حسابه على الله - جل وعلا- الذي يعلم السر وأخفى، وأنت لست بمأمور أن تنقب عما في قلوب العباد أو تستدل بأمارات, أو قرائن تظهر لك دون غيرك، الحكم ليس إليك.

"((أمرت أن أقاتل الناس))", فرق بين القتال والمقاتلة، فإنه لم يقل: "أمرت أن أقتل الناس", لا، بل قال ((أقاتل)). والمقصود من المقاتلة: الإذعان، والمقصود من القتل: الإبادة.

((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) ، من أجل إخراجهم من عبودية العباد إلى عبودية الله - جل وعلا- الواحد الأحد, الفرد الصمد، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله, ينطق بهذه الكلمة, وأن محمداً رسول الله, يشهد أن لا إله إلا الله فينفوا جميع ما يعبد من دون الله, ويثبتوا العبادة لله وحده - جل وعلا-، وأن يعتقدوا اعتقاداً جازماً بأنه لا معبود بحق إلا الله - جل وعلا-، وأن محمداً رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة.

أما من شهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة, وآتى الزكاة, وأتى بناقض من نواقض الإسلام, فهذا يأتي في الاستثناء ((إلا بحق الإسلام)), يحقن دمه, إلا إذا ارتكب ما يقتضى القتل من حق الإسلام على ما سيأتي.

"((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله))"، ولا بد لهذه الشهادة أن يعرف معناها, وأن يعمل بمقتضاها, فالأعجمي الذي لا يفهم يجب أن يُفَهَّم معنى الشهادة؛ لأنه لا يمتنع من الشرك الأكبر وهو يشهد أن لا إله إلا الله إذا كان لا يعرف معناها, وإذا وجد في البلاد التي تنتسب إلى الإسلام, من يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله" أثناء طوافه على القبر, أو أثناء ذبحه للجن، يقول: "لا إله إلا الله", مثل هذا لا يفيده، وحينئذٍ أبو جهل أعرف منه بمعنى لا إله إلا الله. فلا بد من معرفة معنى لا إله إلا الله، على طريقة المسلمين المستَمَدَّة من الكتاب والسنة، لا على طريقة المتكلمين الذين يقولون: "لا بد أن يبدأ, أو يتوصل إلى إسلامه وإيمانه بالنظر, أو القصد إلى النظر, أو الشك", فلا بد أن يشك ثم يدخل في الإسلام، لا بد أن ينظر في أدلتهم, وبراهينهم العقلية, ثم بعد ذلك يدخل في الإسلام، لا بد أن يقصد إلى النظر, وينوي النظر ثم بعد ذلك يدخل في الإسلام, كل هذه لا أثارة عليها من علم, لا من الكتاب ولا من السنة, ولا من أقاويل سلف الأمة، وإنما هي مما ابتكره المتكلمون وابتدعوه. وكان الرجل من العرب يفهم لا إله إلا الله, ويدخل في الإسلام بمجرد النطق بها؛ لأنه يعرف معناها. ولذا لما طلبها النبي - عليه الصلاة والسلام - من المشركين قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [سورة ص:5], يعرفون المعنى, لكن ممن يعيش بين ظهراني المسلمين -مع الأسف الشديد- من يخفى عليه معنى لا إله إلا الله, وشهادة أن لا إله إلا الله.

"((وأن محمداً رسول الله))", يشهد بأن محمداً رسول الله, وأنه خاتم الأنبياء, ويعتقد أنه هو القدوة والأسوة, وأنه لا يُقتدى بأحد سواه. فأركان أو شروط القبول بالنسبة للعبادات كلها: الإخلاص لله - جل وعلا-, والاقتداء, والمتابعة للنبي - عليه الصلاة والسلام-.

"((وأن محمداً رسول الله))"، لو قال: "لا إله إلا الله"، ولم يقل: "محمداً رسول الله"؟ فلا إله إلا الله لا يدخل في الإسلام حتى يأتي بأشهد أن محمداً رسول الله. عند قوله -جل وعلا-: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [سورة الشرح:4] قال: لا أُذكر حتى تذكر معي، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله. لكن إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله, مِن لازمها أن يشهد أن محمداً رسول الله؛ لأنه إذا أقر أنه لا إله إلا الله وقد أمره الله, هذا الإله الذي لا إله غيره بالاعتراف بالنبي - عليه الصلاة والسلام - مرسل منه. فلزم من شهادة أن لا إله إلا الله شهادة أن محمداً رسول الله، ويلزم من شهادة أن محمداً رسول الله تصديقه فيما أخبر, ومن ذلك شهادة أن لا إله إلا الله, ومع ذلك لا بد من النطق بالجملتين, وإن كانت كل واحدة متطلبة للأخرى, لكن لا بد من النطق بهما معاً لحقن الدم, ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله)).

هل ذلك يكفي؟ لا, بل لا بد مع ذلك من إقامة الصلاة. يعني في الدخول في الإسلام يكتفى بالشهادتين, لكن إذا جاء وقت الصلاة لا بد أن يصلي، فإذ لم يصلِّ فإنه يقتل؛ لأن إقامة الصلاة جزء من الغاية التي رُتبت عليها المقاتلة، فلا يتم الكف حتى يقيم الصلاة.

والمراد بإقامة الصلاة المأمور بها في الكتاب والسنة، الإقامة, يعني: جعلها قويمة, قائمة, مستقيمة على مراد الله ومراد رسوله - عليه الصلاة والسلام-، بأركانها, وشروطها, وواجباتها, فهذه إقامة الصلاة، وتكمل أيضاً: بسننها, كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).

((ويقيموا الصلاة))، الركن الثاني من أركان الإسلام إقامة الصلاة، فيه دليل على أن تارك الصلاة يكفر, فتارك الشهادتين كافر بالإجماع، وتارك الصلاة يقتل؛ لأن مما رتب عليه حقن الدم إقامة الصلاة، فدل على أن الذي لا يقيم الصلاة لا يحقن دمه, بل يقتل. لكن هل يقتل كفراً ورِدّة أو يقتل حداً مع كونه في دائرة الإسلام على ما يقوله بعض أهل العلم؟ لكن جاء عنه - عليه الصلاة و السلام-: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)), وفي الحديث: ((بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة)).

فيما نقله الحافظ العراقي في طرح التثريب عن بعض المغاربة في القرن السابع أن الخلاف في حكم ترك الصلاة نظري ليس بعملي. كيف نظري؟ لأنه لا يُتصور مما يدعي الإسلام أن يترك الصلاة، هذا نظري، ما يمكن أن يوجد مسلم ما يصلي، إلا أن يكون قرب قيام الساعة, وفي وقت الدجال، حينما تقوم الساعة على شرار الناس. لكن كيف لو رأى هؤلاء حال المسلمين اليوم؟! والقول بكونه يقتل مرتداً كافراً هذا هو الذي يدل عليه النصوص التي ذكرنا كقوله - عليه الصلاة والسلام-: ((بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة)), وقوله - عليه الصلاة والسلام-: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)), ومن أهل العلم من يرى أنه كفر دون كفر.

أما الركن الأول لا خلاف في كونه يكفر بتركه، وأما الثاني فالخلاف فيه موجود، وإن كان المرجح أن يكفر كفراً أكبر مخرجا من الملة وهو المفتَى به.

وأما بالنسبة لبقية الأركان هنا فأضاف إلى الصلاة إيتاء الزكاة.

((وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ)) مقتضى ما ذُكِرَ أن ترك الزكاة مثل ما قرن معه. إذا قلنا: بدلالة الاقتران, قلنا: إنه ما دام ترك الشهادتين كفر، وترك الصلاة كفر، إذاً ترك الزكاة كفر، هذا ما تقتضيه دلالة الاقتران. ومعلوم أن دلالة الاقتران ضعيفة عند أهل العلم. لكن أبا بكر قاتل مانعي الزكاة, أما من جحدها كفر إجماعاً؛ لأنها معلومة من دين الإسلام بالضرورة، ودلت عليها الأدلة القطعية، فالحكم من جحدها كفر اتفاقاً كالصلاة. وأما من تركها بخلاً لا جحوداً، فإنه يُقاتل ويُرغم على دفعها، لكن هل يكفر أو لا يكفر؟ القول بكفر تارك الأركان الأربعة، الصلاة والزكاة، والحج، والصيام، قول معروف في مذهب مالك, ورواية في مذهب أحمد، أي: من ترك الصلاة كفر، من ترك الزكاة كفر، من ترك الصيام كفر، من ترك الحج كفر، وقال الله -تعالى-: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران:97]. على كل حال هذا قول معروف في مذهب مالك, ورواية عن أحمد, وقال به جمع من السلف.

وعامة أهل العلم أنه لا يكفر بترك الأركان الأربعة عدا ما تقدم من الخلاف القوي في الصلاة، وأنه المرجح وأنه المفتى به، أما بقية الأركان فمن عظائم الأمور أن لا يزكي من عنده زكاة, ووُجِدَتْ الأحاديث الصحيحة الصريحة المشددة في شأن الزكاة، وكذلك في شأن الصيام, وكذلك في شأن الحج، لكن عامة أهل العلم على عدم كفر تارك الأركان الثلاثة، وإن قال به من قال.

"((ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة))"، هؤلاء الذين امتنعوا من دفع الزكاة بعده - عليه الصلاة والسلام-، اختلف الصحابة في شأنهم وفي قتالهم، حتى قال من قال كعمر- رضي الله عنه-: "كيف تقاتل من يقول: لا إله إلا الله"؟، فقال أبو بكر: "والله لأُقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليها". استدلال أبي بكر - رضي الله عنه - وإذعان عمر لهذا الاستدلال, وما أنْ عَرَفَ أن الله - جل وعلا- شرح صدر أبي بكر للقتال إلا وقد عرف أن الحق معه, هذا عمر. واستدلال أبي بكر على قتالهم بأنهم فرقوا بين الأختين، فالصلاة لا تكاد تذكر إلا ويذكر معها الزكاة، "والله لو منعوني" فاستدله بهذا النصوص، يدل على أنه لا يحفظ حديث الباب، أو نسيه أو لم يبلغه، وإلا فالحديث صريح على قتال مانع الزكاة: ((أمرت أن أقاتل)). معناه أنه لو كان هذا الحديث حاضرًا عنده, أو بلغه هذه الحديث لقال: قتالهم منصوص عليه في قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)).

وهذا يدل على أنه قد يخفى على الكبير ما يعرفه الصغير، فأبو بكر أفضل الأمة بعد نبيها - عليه الصلاة والسلام - ومع ذلك لم يحفظ هذا الحديث وابن عمر -رضي الله عنهما- حفظ. عمر - رضي الله تعالى عنه - الذي يلي أبا بكر في المنزلة خفي عليه حديث الاستئذان, الذي حفظه أبو موسى، وأبو سعيد من صغار الصحابة، هذا لا يعني: أن الإنسان إذا كان كبيراً في قدره, وفي علمه, وفي دينيه, أنه يكون أعلم من غيره مطلقاً، حتى لو قرر أن فلاناً أعلم من فلان، فهذا تفضيل جُمْلي, لا تفصيلي، فقد يكون عند المفضول ما ليس عند الفاضل -كما هنا-، فكون ابن عمر عنده هذا النص, ولم يستشهد به ولم يستدل به أبو بكر دليل على أنه لم يستحضر, إما نسياناً, أو لعدم بلوغه إياه.

ولهذا لا يُقال: "إن العالم لا يُنكر عليه, ولا يُنصح، وهو أعرف منا"، هذه كثير من العوام يحتجون بها، إذا اُستدل على حكم بحديث صحيح قال: "الإمام أحمد أعرف منا بالحديث". لا، لا يلزم قد يخفى عليه الحديث, وقد يفهم من الحديث ما لا يفهمه غيره، وقد يكون فهم غيره أرجح من فهمه، كما في الحديث: ((ورب مبلغ أوعى من سامع))، وسليمان -عليه السلام - استمع إلى الهدهد واستفاد منه, ودخل بسببه الإسلام أمة.

على كل حال من علم ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ، فابن عمر - رضي الله عنهما- حفظ هذا الحديث وخفي على أبي بكر, ومع ذلك وُفِّقَ أبو بكر في اجتهاده, واستنباطه إلى ما ثبت عن النبي - عليه الصلاة و السلام-.

"((فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحق الإسلام))" هناك نفس يقال لها: معصومة، ولو لم تكن مسلمة بعهد, أو ميثاق, أو ذمة, أو ما أشبه ذلك, فضلاً عن المسلم المعصوم، معصوم الدم. كيف نقرر أنه لا معصوم إلا النبي - عليه الصلاة والسلام -، ونقول: نفس معصومة؟ يقول -عليه الصلاة والسلام-: ((فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم، وأموالهم)) فهي معصومة من هذا الباب، معصومة الدم، معصومة المال, يعني: ممنوعة من انتهاك الدم, أو المال, أو العِرض. قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((وإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم, عليكم حرام كحرمة يومكم هذا, في بلدكم هذا في شهركم هذا)) فإذا فعلوا ما تقدم من الشهادتين, والصلاة, والزكاة, فبعضها أفعال، وبعضها أقوال، والتغليب للاثنين ظاهر على أن القول يطلق عليه الفعل, وهو فعل اللسان وحركته، فهو فعل؛ فيدخل قول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" باعتبار أنه فعل وإن كان قولاً. فيطلق القول على الفعل، ويطلق الفعل على القول، فإذا فعلوا أطلق على القول الذي هو التلفظ بالشهادتين، كما أنه يطلق القول على الفعل كما في حديث التيمم, ((فقال بيديه هكذا))، وهو فعل، فيطلق هذا على هذا، وهذا على ذاك.

"((فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم))"، فعلوا ذلك, يعني: ما تقدم من الأمور الثلاثة، وماذا عن بقية أركان الإسلام كالصيام والحج؟ الصيام فُرِض في السنة الثانية, وصام النبي - عليه الصلاة والسلام - تسع رمضانات, والحج فُرض في السنة السادسة على قول, أو التاسعة فهل نقول: إن هذا الحديث قبل فرض الصيام والحج؟ كما في حديث بعث معاذ إلى اليمن، إذ قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((فليكن أول ما تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ثم إن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات, فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم)) فلم يذكر الصيام ولا الحج كما هنا سواء بسواء.

من الشراح من يقول: إن هذا كان قبل فرض الصيام, وقبل الحج، ومنهم من يقول: إنه إذا أذعن واعترف لله بالوحدانية, والألوهية, ولرسوله بالرسالة, وأدى الصلاة التي تتكرر في اليوم الواحد, وهي عمود الدين، فأقامها, ودفع الزكاة، جاد بماله, فإنه في هذه الحالة إذا أدى ذلك فإنه لن يتردد في صيام شهر في السنة, أو حج في عمره مرة واحدة.

ولا شك أن الحديثين فيهما الدلالة على أن الأهمية لما ذكر أكثر مما لم يذكر، لكن يبقى أن مما لم يذكر الصيام, والحج، وهما من أركان الإسلام، وقد تقدم حديث عبد الله ابن عمر: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان)), أو ((صوم رمضان والحج)) على الخلاف بين الروايتين على ما تقدم شرحه.

"((فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم))" بعض من منع الزكاة تمسك بشبهة وهي أن الزكاة إنما هي مقرونة بوجوده -عليه الصلاة والسلام- ولا تطلب بعد وفاته؛ استدلالاً بقوله - جل وعلا-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [سورة التوبة: 103]، فإذا كان الأمر متجها إلى النبي عليه الصلاة والسلام فغيره لا يقوم مقامه. وهذه قد تكون شبهة حتى تُجلى، وإن كانت الشبهة ضعيفة، واهية؛ لأن الزكاة ركن من أركان الإسلام باقية إلى قيام الساعة، ومن يقوم مقامه - عليه الصلاة والسلام - في جميع الأمور، يقوم مقامه في أخذ الزكاة.

واستدل بعضهم على عدم استمرار صلاة الخوف بعده -عليه الصلاة والسلام- بقوله - جل وعلا-: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ} [سورة النساء: 102] إلى آخر الآية, إذا كنت فيهم مفهومها هذا ينسب لأبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة, فمفهومها إذا لم تكن فيهم فلا تكن صلاة خوف. والجواب عنه مثل الجواب عن قوله -تعالى-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [سورة التوبة: 103] هذا وإن كان موجهاً إلى النبي -عليه الصلاة و السلام - فإن من يقوم مقامه من ولاة الأمور يكون في حكمه.

"((فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم))" الدماء, والأموال, والأعراض, حرام إلى يوم القيامة، ونبه عليها النبي - عليه الصلاة و السلام - ونوه بها في المجمع العظيم في حجة الوداع في الخطبة المشهورة المسطورة في صحيح مسلم وغيره. نبه على أن الدماء, والأموال, والأعراض, كلها حرام إلى يوم القيامة، وضرب لذلك أمثلة مبادرة في الامتثال، ((وأول دم أضع دم ابن الحارث بن عبد المطلب))، الذي هو ابن عمه، وضعه النبي - عليه الصلاة والسلام - فلم يطالب به؛ لأنه من أمور الجاهلية, والامتثال يكون بالأقرب فالأقرب, ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: ((وأول رباً أضعُ رِبانا, ربا العباس بن عبد المطلب)) عمه. فإذا كان الذي يأمر بالأوامر هو أول من يمتثل وأول من يطبق على الأقربين صارت أوامره نافذة, وأما إذا كان الآمر ينتهك هذه الأمور، أو يستثني الأقربين فإن هذه الأوامر في الغالب لا نفوذ لها ولن تمتثل؛ ولذلك مثّل النبي -عليه الصلاة و السلام- بأقرب دم إليه, وأقرب مالٍ إليه.

"((عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام))" إلا بحق الإسلام، هذا الاستثناء يدخل فيه ما يستدعي القتل والمقاتلة، وإن وجدت الغاية المذكورة في الحديث؛ لأنه قد يقول: هذا الزاني المحصن يشهد أن لا إله إلا الله, ويصلي, ويزكي، هذا القاتل يشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله ويصلي, ويزكي, فإنه -عليه الصلاة والسلام استثنى: ((إلا بحق الإسلام))، يعني: ما يوجب القتل في الإسلام، كالنفس بالنفس والزاني المحصن يرجم، والتارك لدينه المفارق للجماعة يقتل، كل ما يُوجد القتل في الإسلام مستثنى. وما دل الدليل على استثنائه ودخوله لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إلا بحق الإسلام)) لا يمكن أن يعترض عليه في صدر الحديث؛ لأنه مستثنى، فالزاني المحصن يرجم إجماعاً, والقاتل يقتل، والمرتد يقتل لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من بدّل دينه فاقتلوه)).

لكن هل يستثنى ممن بدَّل دينه فاقتلوه المرأة أو لا تستثنى؟ جاء النهي عن قتل الشيوخ في القتال، وجاء النهي عن قتل النساء, والذراري، فمن ارتد من هؤلاء، من المكلفين كالشيخ الكبير الهرم الفاني، هل يدخل في النهي عن قتل الشيوخ؟ والمرأة إذا ارتدت هل تدخل في النهي عن قتل النساء أو نقول: هم داخلون فيمن بدّل دينه فاقتلوه؟

عندنا النهي عن قتلهم ثابت, وعندنا الأمر بقتلهم إذا ارتدوا أيضاً ثابت، فهل نقول: إن من بدل دينه و"مَن" هذه من صيغ العموم عامة، والنهي عن قتل النساء والشيوخ هذا خاص، والخاص مقدم على العام؟ كما يذكر عند الحنفية، فالمرأة عندهم إذا ارتدت لا تقتل، والشيخ الكبير إذا ارتد لا يقتل؛ لأن هناك النهي عن قتل الشيوخ والنهي عن قتل النساء. أو نقول: إن قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من بدل دينه فاقتلوه)) خاص بالمرتدين, والنهي عن قتل الشيوخ, والنساء, والذراري لفظه يعم المرتدين والكفار الأصليين، والخاص مقدم على العام، فالمرتد مخصص من النهي عن قتل النساء؟ نهينا عن قتل النساء، لكن إذا ارتدت المرأة دخلت في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من بدل دينه فاقتلوه)) فالذي بين هذه النصوص عموم وخصوص وجهي وليس بعموم وخصوص مطلق؛ لنقول الخاص مقدم على العام. لا، فالمرتدة تدخل في عموم النهي عن قتل النساء، كما أنها تدخل في عموم: ((من بدَّل دينه فاقتلوه)), ويخصها النهي عن قتل النساء, ويخصها باعتبارها مرتدة ((من بدّل))، فينتابها العموم والخصوص على حد سواء في النصين، وحينئذ يطلب مرجح خارجي، هل النهي عن قتل النساء محفوظ؟ أو دخله مخصصات، المرأة إذا قتلت تقتل أو لا تقتل؟ تقتل إجماعاً, المرأة إذا زنت وهي محصنة تقتل أو لا تقتل؟ تقتل. إذاً عموم ((من بدل دينه فاقتلوه)) محفوظ، وعموم النهي عن قتل النساء دخله الخصوص, وقد ضعف فيرجح عليه: ((من بدل دينه فقتلوه)), وعلى هذا تقتل المرتدة؛ لأنه بحق الإسلام.

((بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى))، هؤلاء الذين شهدوا أن لا إله إلا الله, وشهدوا أن محمداً رسول الله, وأقاموا الصلاة, وآتوا الزكاة, هؤلاء يقبل منهم الظاهر، وتوكل سرائرهم إلى الله – تعالى-، حسابهم على الله، فمن قال: "أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله"، وصلى, وآتى الزكاة بصدق ويقين وإقرار وإذعان, وخضوع, لله - جل وعلا-، هذا صدق في دعواه ظاهراً, وباطناً, ومآله إلى الجنة. وأما من قالها بلسانه ولم يقر الإيمان في قلبه, فهذا يُعصم دمه, وماله, وحسابه على الله؛ ولذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يقتل المنافقين؛ لأنهم يشهدون في الظاهر, ويصلون في الظاهر, أما الباطن والسريرة فذلك إلى الله -جل وعلا-، ولئلا يُتحدث أن محمداً يقتل أصحابه.

على كل حال الخفي لا يعلمه إلا الله، ((حتى يشهدوا)) أي يتلفظوا. لو وقر الإيمان في قلبه واعترف بأنه لا إله إلا الله, وشهد أن محمداً رسول الله بقلبه ولم يتلفظ بذلك يكفي أو لا يكفي؟ في الدنيا لا يكفي؛ لأن الغاية الشهادة، والشهادة لا بد أن يكون منطوقاً بها. فما الذي يدرينا أنه شهد أو لم يشهد؟ وفي بعض الروايات: ((حتى يقول)), والقول لا بد أن يكون ملفوظاً به. وعلى هذا لو وقر الإيمان في قلبه ولم يتلفظ فإنه حينئذ يقاتَل حتى يتلفظ، ولو مات وقد وقر الإيمان في قلبه فإن أمره إلى الله، أما الكف في الدنيا, وأحكام الدنيا, والمعاملة في الدنيا, فإنما هي على ما يظهر, والسرائر إلى الله - جل وعلا -؛ ولذا قال: ((وحسابهم على الله -تعالى-)). ومنهم من يقول: حتى لو وقر الإيمان في قلبه، وصدق, وأذعن، ولا يوجد ما يمنعه من التلفظ فإنه كافر ظاهراً وباطناً، فما الذي منعه أن يشهد أن لا إله إلا الله, وهو يستطيع الشهادة؟ فيكون حينئذ كافراً في الظاهر والباطن، أما بالنسبة للظاهر وهو الذي يهمنا, وهو التعامل معه في الدنيا على هذا الأساس هو كافر بلا شك، لكن يبقى أن أمره إلى الله - جل وعلا -؛ ولذا قال في آخر الحديث: ((وحسابهم على الله تعالى)). والبشر لا يكلفون إلا الظاهر، والنبي - عليه الصلاة والسلام - إنما يحكم على الظاهر، ولا يحكم على الباطن؛ ولذا الحكام من القضاة وغيرهم ليس لهم أن يحكموا إلا بالمقدمات الشرعية، وليس للقاضي أن يحكم بعلمه, فإذا أحضر المدعي الشهود حكم له إذا كانوا ممن تقبل شهاداتهم, وإن لم يجد شهوداً عَدَلَ إلى المدعى عليه، وطلب منه اليمين، ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر))، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-